مجمع البحوث الاسلامية

99

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وعند الزّمخشريّ فيه وجهان : الأوّل : أنّ إضافة الجناح إلى الذّلّ أو الذّلّ كإضافة حاتم إلى الجود ، أي اخفض لهما جناحك الذّليل أو الذّلول . والثّاني : أن تجعل لذلّه أو لذلّه جناحا خفيفا ، كما جعل لبيد للشّمال يدا وللقرّة زماما ، مبالغة في التّذلّل والتّواضع لهما . وذهب الطّباطبائيّ إلى أنّ الذّلّ لو كان بمعنى المسكنة فخفض الجناح كناية عن المبالغة في الخضوع قولا وفعلا ، كما يخفض فرخ الطّائر جناحه ليستعطف أمّه لتغذيته ، وإن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطّائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظا لها . وعندنا أنّ الذّلّ بمعناه اللّغويّ وإضافة الجناح إليه كالإضافة في « يد الإحسان » وبهذا الوجه فرّقنا بين هذه وبين ( 3 و 4 ) . وعليه فليست الإضافة بيانيّة بل وصفيّة ، أي جناحك الذّليل . 6 - وفي ذيل الآية وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً إشعار أيضا بأنّ الذّلّ بمعنى المسكنة ، فإنّ الطّفل ذليل لأبويه وهو تحت تربيتهما ، وفيه علاقة بصدر الآية جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ فالابن خاضع لهما وذليل بين أيديهما - وهو كبير - رحمة لهما كما كانا يرحمانه وهو صغير ذليل عندهما . وفيه تذكير له بحالة الطّفولة ترغيبا له في الذّلّ والرّحمة ، وهو كبير . . 7 - قالوا في ( 5 ) نظرا إلى صدرها : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ اخفض جناحك لفقراء المؤمنين وضعافهم ولا تلتفت إلى الأغنياء من الكفّار والمتنعّمين . قال مغنيّة : « تواضع للطّيّبين المخلصين ، لأنّ التّواضع لهؤلاء تواضع للّه ، والتّكبّر على الخونة المفسدين جهاد في سبيل اللّه » وعلى هذا فالآية ترغّب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالتّواضع للمؤمنين الفقراء المخلصين وعدم التّكبّر عليهم فهي نظير : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ آل عمران : 159 ، وقال في صفته : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة : 128 ، وفي صفة المؤمنين : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ المائدة : 54 ، وفي وصف الأصحاب : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الفتح : 29 . لكن الطّباطبائيّ لم يخصّها بالفقراء ، ورجّح أنّها نظير : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الكهف : 28 ، تأمره بالصّبر مع المؤمنين وضمّهم إليه ومعاشرتهم ، أو الاحتباس فيهم من غير مفارقة . ولا ريب أنّ قوله أوفق لسياق الآية . 8 - ما تقدّم في ( 5 ) يأتي في ( 6 ) تماما إلّا أنّها خصّت خفض جناحه عليه السّلام بمن اتّبعه من المؤمنين ، وهو مراد في ( 5 ) أيضا فهذه تفسير لذاك ، إذ من لم يتبعه فهو ليس بمؤمن حقّا . رابعا : جاء في ( 7 و 8 ) ( جناحك ) بشأن موسى عليه السّلام بمعنى واحد في سياقين : الأوّل : جاء في ( 8 ) : ضمّ يده إلى جناحه ، والمراد به جنبه وشقّه الأيمن لتخرج بيضاء . وفسّروا الجناح بأسفل العضد إلى الإبط ، والجناحان هما الجهتان وسمّيتا جناحين لأنّهما في موضع الجناحين من الطّائر فهذا - على